عهد فاضل

 

 

( يَدٌ معطوبة تحلم ) للشاعر العراقي علي مزهر

الأصدقاء والمدن في صميم التجربة الشعرية

تنطوي كتابة الشاعر على أكثر من موقف, فيما لا تُظهر أوراقه غير حال من الشعر أو التفكير الشعري, وإذا كانت علاقة الإبن بالسلف تستدين من التنقيح والتأثّر, كما يعبّر هارولد بلوم, فإن سطح القصيدة الهادئ يتكلَّم على توتُّر غير معلن, داخلي وصامت.
هنا, يتبقّى (المكر) الشعري, وأسلوبية الاقتراح الجاعلة من الإبن يؤجّج الصراع نفسه مع الحفيد...
عندما نتملّى شعرية العراقي علي مزهر (يد معطوبة تحلم) (منشورات (نسابا) 2002, الولايات المتحدة الأميركية), تتبيّن كتلة المواقغ التي أظهرت الإبن أباً بوجه الحفيد, وكيف ان الهدوء المتَّخذ دَوْر العلبة, لا أكثر, يتكتّم على الهدية - الدلالة, أو ذلك الصراع النّاشب بين الأب المؤسِّس للنموذج والإبن المبتهج بقلب الأدوار.
(المناسبة), في الشعر السياسي, تختلف عن (المناسبة) في لغة الاجتماع. فإذا كانت الأولى تجعل اللغة وسيطاً بين المضمون والجماعة, فإن الثانية تطرح اللغة كنتاج فـوري عن علاقة النـاس فـي مـا بـيـنهم. وعند مزهر نلمح المناسبة الثانية, ولكن المعبَّر غنها بالتذكر والاستدعاء, مناسبة المدن كنيويورك ودمشق وعمان, ومناسبة الأصدقاء مثل سرغون بولص وآدم حاتم ومحمود البريكان. الاشارة علنية, الشاعر يقفز عن الرمز الايديولوجي التاريخي, لا يريد الحلاّج ولا مهيار ولا جلجامش, السطح الهادئ يخفي موقفاً حادّاً: (إلى محمود البريكان: / كثيرة هي الأجراس التي خفت رنينها وانطوى لأنه الفراغ / يحلُّ / والجسد هو الذي يُمتحن / ذلك ان الذاكرة تجرجره / كشيخ يقود كلباً بقيد لا يُرى...).
إصرار مزهر على تجاوز النموذج التاريخي للاستعارة, لا يتضمّن موقفاً من الأخير, وحسب, بل يكشف ذلك التوتر الميتافيزيقي لمعنى الموت والحياة, ليتساءل الشاعر: (وأنتَ / أيها النازل الى منزل الأموات / ما الذي تأمله بعد?). السؤال الموجّه للميت, هو في حقيقته سؤال للأنا, لأن التشتت الذي يخلقه القفز عن النموذج التاريخي للاستعارة يخفف مستوى المهمّة المنوطة بالكائن الشعري, فبعد ان طرحته الحداثة مغيِّراً وهدّاماً, انقلب دوره ليكتشف حقيقته, وليعترف, بكل قساوة, بضالّة معناه, في الأصل: (زائل) دأبي / وديدني هباء محض / وأنا أمدّ يدي / لأبحث عن يدي...).
لعلّ هذا الانتقال من استعلاء النموذج, في الحداثة الشعرية, الى اكتشافه لحقيقة نقصانه, دفع الشاعر الى استرجاع ما نسيه إبّان الانشغال بالثورة الميتافيزيقية التي حفلت بالحكمة والفوقية وسرقة النار, غير عابئة بالبسيط والعادي, الحميم والعصي, باعتباره يشوّش صفاء جلجامش في سعيه لاقتناص الخلود. نرى هذا الاسترجاع الناتج من الخسارة والندم في قصيدته المهداة الى عباس بيضون, حيث يبرز هذا التأرجح الأليم بين الثنائيات (السرُّ / يتهدَّم في المنتصف / لكن السماء لا تبالي / يحمل البرقُ الغبارَ الى الأقاصي / هناك / حيث يستريحه دمٌ قلق...).
ما ينطوي عليه هذا السطح الهادئ يزداد, ويتكثَّف, ويتخذ من الاشارة اللغوية, ذات المنشأ النحوي, طريقةً في التجاوز واستبدال الاقتراح والقول الشعريين. فإذا كان تجاوز النموذج التاريخي للاستعارة مَعْبراً الى استرجاع بساطة الكائن, فإن أفعال الماضـي الخادمة للتذكر والسّرد والندم تظهر بقوة عند علي مزهر, النموذج التاريخي افترض أفعالاً حاضرةً تتساوى وقوة حضوره ودعوته الى الحاضر هدْماً وتغييراً, وفي اقتراح مزهر المعاكس ينهض استرجاع ملكية الأنا المحدودة, الدافئة والمفقودة, كبديل صاخب تحت هدوء النص الظاهري: (لا بأس ببعض الدموع تتلو بكاء غائب عن مكانه, على غائب ليس في المكان نفسه ليس في ذاك المكان, ليس في لا مكان...). أو, هنا, عندما تكون الاستعادة شكلاً من أشكال (الحماية) للأنا على افتراض نقاوتها المسبقة, كدليل إضافي ان الشاعر قد عقد حلفاً أفلاطونياً خفياً لجعل المعرفة هاجس التطابق مع المثال الأول:
(قرب الطواحين / أو في الغابة السوداء / أو بجانب غرق أقرب من أيدينا / قطفنا ثماراً طرية / وجفَّفنا ما تبقى صوب السفر / ليس من أجل شيء سوى / اقصاء الغبار عن الأرواح العذبة...).
ليس اقصاء الغبار عن الأرواح العذبة إنها محاولة جلاء التشويش الذي طرأ على الأنا الشعرية بسبب قساوة الضغط والاقصاء اللذين مارسهما النموذج التاريخي للاستعارة, لهذا صار الطريق معبّداً للبحث عن الأنا على خلفية استكشاف المكان, مكان الأنا وليس مكان الـ(هو), مكان التقاطع وليس مكان المثال: (يشتبك الحاضر والماضي بسيوف من ضوء وتتلاقى آثار معرفة وامحاءها. يشدّني حنينٌ ملتبسٌ لأن ألمَّ شتات روحي, هنا, كمن في البيت...). وكيلا يتخذ المعنى مستوى التفجّع الشخصي, يكثّف الشاعر مصدر هذا البحث ودلالة الافتقاد: (كأن هذا العناك وحده يضع نهاية لهذا الطلاق القاسي, ولهذا الانفصال الباهظ الثمن للجسد المرحَّل عن مكانه...). صرنا مهيئين, اذاً, لفهم هذا الاسترجاع: (هذه المرّة أحاول القبض على لحظة هاربة بقدر ما هي ملأى بما لا أجده في المدينة حيث أطوف في الشوارع باحثاً عن حجرٍ لذكرى امَّحت الآن...). وكي يثبت ان الارتباط بالمكان لا يرتكز فقط على استعادته كاملاً لاكتشاف الأنا, معه, بالضرورة, يعود فيؤكد ان بحثه ذا أساس شعري مضاد للاستعادة التي هي مجرّد ذكرى: (تعيد خلق أمكنة لتحلم فيها وتحنّ إليها...). هنا يصحّ اكتشاف الأنا صناعةً لها ولا يعود المكان خاضعاً لفيزياء وجوده بل يصبح تركيباً وتأليفاً مستمرّين, لأن النموذج التاريخي للاستعارة حفل بالـزمن, والتوقيت فيه لمصلحة المثال والتطابق معه, وكان المكان معه مجرّد مسرح عصري لأبطال لغويين.
مهما يكن النموذج التاريخي مأسويّاً, فإن تسريحه من خدمة العمل الأدبي أشدُّ مأسوية, فهو هذا النوع من المتعة الذهنية والروحية تجعل من قساوة عدم التكيّف مع الواقع امراً يسهل التخلّص منه, أما عندما لا يكون (آخاب) بصدد التفوّق على (الحوت الأبيض) فإن السفينة ستفتقد الى الكثير من الشحذ والارادة والانتظام, هذا جعل (الشيخ) يصطاد سمكة ضخمة, في رواية أخرى, فالمثال العصيّ يتطلّب ارادة حياة مماثلة, وحوت آخاب وسمكة الشيخ ليسا أكثر من محاولة خلق للذات وإعادة رسم حدودها.
لهذا فتجاوز النموذج التاريخي يحمل من المأسـوية أكثر مما يختزنه في الأصل. لننظر حال الشاعر الأعزل بلا نماذج: (أشعر أني أنقرض / مخلّفاً عظاماً محروقة / وسلالاً من فشل في المصالحة مع الحياة...). حتى أن الشاعر يتحدّث عن عدم مقدرته في إقناع شريكه في الشقّة بأن (صوت الباب مزعج)!!!
وتنهال اعترافات الذات المتجاوزة للنموذج: (كأنني شمس مطفأة) و(كأنني مسرَّح من جيش الهواء المهزوم) و(كأنني منسيٌّ من ربيع منسيّ).
هذه المأسوية وما تحمله من بطولة مضادّة استبطال سرِّي لقلق المثال الشعري والفلسفي, التجاربي منه والمنقول, حيث تواجه الكتابة ذاتها عزلاء, بلا أمثلة, في مستوى من قساوة الابتداء وتحدِّي الحـاضـر واشراك الشخص في الحديث عن شخصه, عوضاً عن دور الأنا الطويل في الحديث عن الهو, والمثال, والكمال.
شعرية علي مزهر من المحاولات الجديدة لوضع الكتابة أمام خياراتها, خياراتها هي, خيارات الأنا, وليس الهو, ليس المثال والمنجز والتطابق, بل الذات.

جريدة الحياة الأحد 19 أيار 2002