ألف ليلة وليلة فلسطينية
![]()
عميل القلعي
تبقى القضية الفلسطينية في أنحاء كثيرة من العالم واحدة من القنوات التي يوجّه من خلالها الاختلاف السياسي. فمن شمال أفريقيا حتى ماليزيا، تمثل فلسطين رمزاً مفيداً ولكن خطراً للمعايير المزدوجة في يد حكام مستبدين ومتلهفين لإيجاد منافذ جذّابة ونائية يتسرب من خلالها إحباط مواطنيهم. فبينما حاول الكثير منهم تبني القضية الفلسطينية، من صدام حسين إلى الملك المغربي الأخير مروراً بأسامة بن لادن، ومؤخراً، الحاكم الفعلي للسعودية العربية، الأمير عبد الله، لم يتأثر بلدُ بالملحمة الفلسطينية بالعمق الذي تأثر به لبنان. فاللبنانيون وجدوا في الفلسطينيين، كما يصفهم الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش بقوله أننا " رأينا في لبنان صورتنا في الحجر الصقيل"، صورة واضحة لللامساواة القائمة في مجتمعهم منعكسة في المخيمات الفلسطينية المتناثرة حول بيروت.
ليس مفاجئاً إذن أن يكتب التحفة الأدبية الحقيقية الأولى للملحمة الفلسطينية من بيروت، باب الشمس، روائيُ لبنانيُ. ففي أكثر من خمسمائة صفحة يحاكي ألياس خوري سرد ألف ليلة وليلة. ولكن بدلاً من شهرزاد تقص القصص لتحافظ على حياتها لدينا في باب الشمس طبيبُ مقيمُ في مستشفى مؤقت في وطن مؤقت - شاتيلا، وهو مخيم خارج بيروت – يسرد قصصاً لرجل في حال من الغيبوبة محاولاً الحفاظ على حياته. والمريض هو يونس، من الجليل التي ترك فيها حب حياته نهلة.تحدث الرواية كلها قرب سرير يونس في مناخ المخيم الخانق تتخللها استعادات من الذاكرة. ومن خلال صوت الرواي، الدكتور خليل، ننضم إلى نهلة ويونس حيث يلتقيان في كهف يسمى بالعربية باب الشمس. وبما أن الراوي يتحدث إلى نفسه أصلاً، نتقاسم نحن، كقراء، الحميمية مع نص مشوق وآسر.
حازت الرواية التي نشرت في بيروت عام 1998 اهتماماً كبيراً، ولقد صدرت الترجمتان الفرنسية والعبرية مؤخراً ومازالت تنتظر بيتاً لها في اللغة الإنجليزية. كان استقبالها في فرنسا حماسياً، وقد أُختير الكتاب بوصفه كتاب العام في جريدة اللوموند دبلوماتك. ولكن الترجمة العبرية نقلت الرواية إلى أرض أشد صراعاً. كان يائيل ليرر، صاحب الأندلس، وهي دار نشر عبرية صغيرة مكرّسة بالكامل لنشر الأدب العربي، توّاقاً لأن ينشر أعمال كتّاب جدد، وكان قد نشر في السابق أعمالاً لدرويش ومحمد شكري والطيب صالح وآخرين. ولكن عندما تسربت أخبار حول النية في إصدار الترجمة العبرية لرواية باب الشمس ، هوجمَ خوري بشدّة في الصحافة المصرية. فلقد كتب الناقد المصري المعروف محمود أمين العالم، في أخبار الأدب، إن التعاون في مشاريع كهذه يعني " قبول عقد التطبيع الثقافي، وهو الحصن الأخير المتبقي من حصون المقاومة، حيث التطبيع الاقتصادي والسياسي مطبق حالياً."
في حين يُعرّف" التطبيع" *عموماً بوصفه مقاومة لإملاءات المصالح الأمريكية والإسرائيلية، فلقد أصبح هراوة تستعمل ضد أي محاولة من قبل المثقفين العرب لصياغة موقف نقدي والخروج من مأزق " أنت معنا أو ضدنا". قام كل من ألياس خوري والروائي المغربي محمد برادة وإدوارد سعيد بحملة مضادة. فبينما وصف سعيد الهجمة ضد الأندلس بكونها " مشهداً مؤسفاً"، استنكر خوري قناعة المثقفين الذين يعتبرون التطبيع السياسي والاقتصادي أمراً ناجزاً، والذين يستغلون " المقاومة الثقافية" غشاءاً لحجب فشلهم في خلق قوة معارضة حقيقية.
لا يعتبر ألياس خوري، وهو حالياً أستاذُ زائرُ في قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة نيويورك، فلسطين، إسرائيل، والتطبيع جزءاً من نضال السلطة الثقافية فحسب بل لب مسألة التعسف المتنوع للسلطة السياسية في المنطقة كلها. فلقد عاش خوري حياة قريبة من الفلسطينيين، والتقاهم أول مرة في المدرسة ببيروت كزملاء دراسة، وبعدها زارهم في مخيماتهم. وككثير من المثقفين اليساريين الذين شبوا في الستينيات، لاحظ ألياس خوري مباشرة الإفلاس الأخلاقي للبلاغة الرسمية السياسية التي تمجد القضية الفلسطينية بينما تبعد وتضطهد اللاجئين الذين يعيشون بين ظهرانيهم. وهكذا، فإن نضاله الخاص في سرد القصة الفلسطينية هو نداءُ بعيدُ كل البعد عن الصورة التي رسمها له أولئك الذين اتهموه بالسعي إلى ترجمة الرواية إلى العبرية.
كان ألياس خوري بوصفه عضواً في مركز الدراسات الفلسطينية في بيروت معنياً بشكل عميق في مشروع معرفة وفهم المجتمع الإسرائيلي والحركة الصهيونية والمسألة اليهودية. وهذا الجهد لم يكن حافزاً حلمياً من أجل التعايش، ولكن مقاومة فكرية للعمى والإنكار الذي ساد الخطاب الحكومي العربي بعد هزيمة 1967. لم يكن العمل منصباً حول " معرفة العدو"، ولكن مواجهة الذات. ففي باب الشمس، يبدو وكأن خوري يريد أن يتقدم كل من الفلسطينيين والإسرائيليين نحو مسارات مختلفة متوازية من المواجهة مع الذاكرة و الإيديولوجيا.
تبدأ أحداث الرواية في مخيم شاتيلا بموت أم حسن، وهي امرأة عاقر. بعدها، نعرف عن طريق الإستعادات، من خلال سرد الدكتور خليل، حكايتها مع إيلا ديوك، وهي يهودية من بيروت تعيش الآن في بيتها في الجليل. كلتا المرأتان تشعران بكونهما مسجونتان ومستعدتان لتبادل الأمكنة، إذا استطاعتا، إيلا لتعيش في بيروت وأم حسن تعود إلى الجليل. و لكن كما يخبرنا الراوي، " الكتًاب غرباء. ألا يعلمون أنه من المستحيل سرد القصص الحقيقية لأن الجميع يعرفها؟"، هنا وعلى مدى الرواية، يستثمر ببراعة العلاقة الحميمة التي ابتكرها بين الدكتور خليل والقاريء ليعلّق على فن السرد، وليخلق جمالية تسلم بأن القصص ذاتها تبتكر قانونها.
قال خوري في مقابلة معه أن " قصة الكارثة، النكبة لم تروَ بعد. لذلك فإن انبثاق تلك الذكريات هو وسيلة لخلق رؤية جديدة لفلسطين. وبما أن صورة الفلسطينيين التي رُسمت في الأدب والإيديولجيا السائدة هي صورة البطولة والشهادة، فإنني أعتقد أن الرواية تساعد في تحرير الناس بواسطة سرد حكايات الإذلال والهزيمة الداخلية والتي لم تقص بعد." ربما نسكن إلى التفكير بأن كل قصة وكل شخصية ترمز إلى شيء آخر، ولكن خوري يحذرّنا بأن الفكرة الأهم التي استقاها من ألف ليلة وليلة هي أن " القصة لا تعكس واقعاً أو فكرة ما بل قصة أخرى. وعندما تموضع مرايا القصص كلها معاً، سيكون لديك حينها عالم بلا بداية ولانهاية". ولكن هذا العالم ليس عالماً رمزياً فحسب، وكما قال الكاتب الفلسطيني الإسرائيلي أنطون شمّاس، " إن حق العودة هو حق السرد، والسرديّ الذي ينبسط هنا في الترجمة العبرية يعيد حق-أنْ-تسرد إلى أصحابه الشرعيين. هؤلاء الأصحاب، الذين طردوا من الخريطة، من موطنهم، ومن التأريخ، يعودون الآن لاسترداد حقهم في الحديث إلى الذاكرة، بواسطة اللغة ذاتها التي صادرت أصواتهم ومحت خارطتهم".
ترواحت ردود الفعل الأولية في الصحافة العبرية بين الترحيب والإهمال. فبينما رحّب نقادُ في أمكنة متفرقة وصغيرة بالكتاب، فإن الحدود المتداخلة بين الواقعة والقصة مسّت عصباً حسّاساً عند المؤرخ والصحفي الإسرائيلي جورج سقب الذي كانت ردة فعله حادة، في هاآريتز الصحيفة الإسرائيلية الواسعة الانتشار. فبإقراره أن الوقائع التي ترتبط بالرواية " تتجاوز الإجازة الشعرية للروائي" ، يقدم سقب حجةً مليئة بالحشو تخلص إلى أن " عبء الإثبات يقع على عاتق الراوي. فإذا كانت (الوقائع) لا تمتلك صدقية فليس من المناسب استثمارها في عمل قصصي. خوري ليس معروفاً في إسرائيل لذا لا يتحتم علينا تصديقه." باستخراج حجة مشكوك بها كهذه، يبدو أن خوري قد نجح في كشف عمى بعض اليهود الإسرائيليين الذين مازالوا ينكرون العواقب الإنسانية الكاملة لإيديولوجيتهم. أراد خوري أن ينقل صدمة التأريخ الأوروبي إلى سياق آخر يُدرك فيه يهود إسرائيل مأساتهم منعكسة في مأساة الفلسطينيين، وكما وصفها هو ب" الاعتراف بأن إسرائيل جزءُ من مشكلة إنسانية مهولة، ولكنها ليست بالضرورة حلاً لها." ومن خلال تتبع خرائط السرائر هذه، يفتح خوري مقاطعة جديدة، على مكان تقود فيه مواجهة الألم والمعاناة إلى إدراك الذات في الآخر في أقل تقدير إذا لم تقد إلى المصالحة، حتى لو أن الأمر يزداد صعوبة كل يوم."
هوامش: كان مقدّراً لهذا المقال( الذي ينشر بإذن من المؤلف) أن يظهر في الشتاء الماضي أي بعيد صدوره بقليل ، ولكنه ضاع في زحام فوضاي، ولا يخفى على القاريء اللبيب النبرة التبسيطية التي كتب بها ،لأنه موجهُ إلى قراءة معرفتهم بالأدب العربي ضئيلة ، ومقدّر لها أن تبقى هامشية في المستقبل القريب في الأقل، فليس من اهتمام الناشر الأمريكي أن يغامر بنشر كتاب لا يعرف مردوده التجاري.
فيما يخص مصطلح التطبيع، قد تبدو الجملة ملتبسة، ولكنها بقدر ما، تتماشى مع الخط الثالث( إلى جانب مقاومة التطبيع أو قبوله) الذي يحاول أن يوضّحه المؤلف باعتباره موقفاً نقدياً بحتاً خاضعاً لقناعة المثقف وحريته خارج الأطر الرسمية والسائدة. لم استطع الحصول على الأصول العربية للمقتبسات التي ترد في المقال، لذا أستميح القاريء والكتّاب المعنيين عذراً.
هذا المقال الذي ستليه مقالات أخرى هو تقدير لعمل كل من ألياس خوري وعميل القلعي.
المترجم: علي مزهر
13/تشرين الثاني/2002