ذاكرتنا بلا مستقبل : عن إيتيل عدنان

 

عميل القلعي

 

 

عن النساء والمدن (رسائل الى فواز) ، إيتيل عدنان.

Sausalito: The post Apollo press, 1993.

 عندما تتعرى باريس .

Sausalito: The post Apollo press, 1993.

 

تعيش إيتيل عدنان في أمريكا منذ أكثر من ثلاثين عاما ، مع ذلك تبقى لذة وقوة كتاباتها امتيازا لنخبة قليلة من القراء في هذا البلد. ولدت في بيروت لأب سوري مسلم و لأمٍ مسيحية يونانية ، ومنذ ئذ بدأت إيتيل ، بمحاورة ما أسمته ، القطبين ، الثقافتين اللتين مثلتهما بيروت ودمشق. دخلت مدرسة للراهبات وحين بلغت السادسة عشرة  اندلعت الحرب العالمية الثانية ، وهذا الحدث ، من بين جملة أحداثٍ  ، هو الأول الذي أثّر في  حياتها وأعاد تشكيلها. بعد هذا ، وكما حدث أثناء الحرب الأهلية ، شغلت  النسوة وظائف غير متوقعة. فإذا بإيتيل، بعد أن عملت في وظيفة مكتبية في مركز الاستعلامات الفرنسي ، تصبح  جزءاً من مغامرة فريدة ، لانضمامها الى معهد بيروت للأدب والألسنيات التابع للجامعة الفرنسية المفتتح حديثا.  كان يرأس هذا المعهد ، و حلقة حميمة من الطلاب ، غابرييل بونور ، وهو شخصية أدبية مهملة تماما والذي سيصبح حواريّا أساسيا من حواريّ إدموند جابيس ، وهو منفيٌ فرانكفونيٌ آخر. بعد إنهاء دراساتها في المعهد ، تابعت إيتيل دراسة الفلسفة في السوربون. ومن هناك ، في منتصف ال50ات ، درست في بركلي وهارفرد. ومنذ ذلك الحين ، علّمت في أمكنة عديدة ، وعادت الى بيروت مراراً ، مقسمة وقتها بين كاليفورنيا ، وأوروبا والشرق الأوسط.

          يخرق عمل إيتيل ، وفق تعريفه ، كثيرا من الحدود التي تُفرض على كتاب لهم نفس هذه " الخلفيات الشائقة " . فهي تكتب الآن باللغة الإنجليزية ، بعد أن كانت تكتب باللغة الفرنسية لعدة سنوات و هي ، بلا شك كاتبة عربية. كيف نتوصل إذن الى تعريف يسير لإيتيل؟  هل هي كاتبة لبنانية أم فرنسية أم أمريكية ، أم  امرأة كاتبة ؟ فكاتبة مثلها تُبرز التعريف الضيّق و الصنف المُقحم لكتابة المرأة العربية التي بدأ القارئ الأمريكي بالتعرّف عليه من خلال أعمال كاتبات شهيرات مثل نوال السعداوي، حنان الشيخ وآسيا جبّار ، و كاتبات أقل شهرة من أمثال فدوى طوقان، أليفة رفعت ، سلوى بكر، وسحر خليفة ، من بين أسماء أخرى. و كما هو الأمر عادة ، فأن جزءاً كبيرا من مشكلة  الحصول على صورة موسّعة ، يكمن في توفر الأعمال الأدبية.  فلا يخاطر الناشر الأمريكي  بتقديم الأعمال المترجمة لكتاب محدثين غير معروفين ، ممّا يضع القارئ الأمريكي في موضع من لا يملك سوى مشهد خطاطوي للآداب الأجنبية وإدراك معدوم أو ضئيل للنسيج المتداخل والغني من العلاقات التي ينشأ فيها كتاب معيّنون. لذلك تبقى الحياة الفنّية التي تتسم بالإبداع المتميز والمتنوع لمدينة مثل بيروت ( والتي تشكّل جزءاً مركزياً في تجربة إيتيل عدنان) أشبه بفصل مغلق من التأريخ الفكري لمن ليس على تماس مباشر معه.

          إيتيل عدنان رسامة الى جانب كونها روائية وشاعرة وكاتبة مقال ، وهذه حقيقة تدخلُ في  تـشكِّلِ عملها باستمرار ، خاصة عمليها الأخيرين عندما تتعرى باريس و عن النساء والمدن (  رسائل الى فوّاز ) . ففي إشارة  عن العلاقة بين اللغة والصورة والأصول، كتبت إيتيل،  أنها تملك القدرة على التعبير بالعربية فقط من خلال الرسم.  توفر هذه الكتب ،  مع تعدد ثقافات إيتيل ومساعيها، مدخلا ممتازا لمزجها الفريد بين الملاحظة الدقيقة والتكامل العاطفي والوضوح السياسي والتأمل الفلسفي.

 عندما تتعرى باريس  شهادة عاشقة مصدومة الضمير ، إدراكها مطعون بثمار معرفة وخبرة مختلفة. العاشقة هي إيتيل ذاتها ، وموضوع رغبتها هو باريس، وما الفاكهة المحرّمة سوى ولائها لماضيها و حاضرها. يتألف الكتاب من مقاطع قصيرة كل واحد منها معنون "  عندما تتعرّى باريس " ، وهذه اللازمة هي جوهرة  كتاب يقدّم سرداً صارماً ولكنه ليس تقليدياً على الإطلاق. فتسبر الصراحة القاسية والانفتاح والذاكرة المتراكمة المتضمنة في عمل إيتيل مثال أوروبا بوصفها هامشا ومركزاً بوسائل تتزايد أهميتها وتدفعنا لفهمها. كتبت إيتيل واصفة مواجهة مع صديق باريسي :

باريس جميلة. يؤلم قول هذا ، ليس للمرء أذرعا طويلة تكفي لضم اتساع كهذا. يقولها  كلود ببراءة. يصعب علي قول شيء من هذا القبيل ، علاوة على أنه مؤثر بالمشاعر. ممزِّق . باريس قلب قوة استعمارية آفلة ، هذه الحقيقة تلازمني كل ليلة وأنا في فراشي. عندما أسيرُ في هذه المدينة تغمرني هاوية ، تتيه نفسي في تأمل ، وأختبر النشوة ، نشوة أعلم أنها هزيمة أيضا . أرى، أرى الى قبح القوا دين في الأحياء العربية ، كم نُزعت إنسانية الجزائريين القاطنين فيها ، كم أن نسائهم محطمات ، كم  يُهان بغاؤهم ذاته من قبل أُولئك الذين يصوتون من أجل طردهم. وأنا أعتبر هذا الكائن الوحشي الذي اسمه باريس جميلا. 1

في الوقت عينه لا تتخذ إيتيل دور الضحية. فنظرتها تنفذ في فضاء المدينة ، في الناس والأشياء التي تسكنها ، ولكنها لا تدَّخر نفسها ولا تنأى بها عن المسؤولية. لقد نشأت " وهي تعتقد أن العالم هو اللغة الفرنسية... وأن كل ما هو ذي أهمية  ، و له سلطة، موجود في  الكتب ، وهو ليس مهماً لبيئتنا "* ، تعود إيتيل ، الى باريس ، الى اللغة الفرنسية ، وكل ما هو متضمن فيهما. لقد طافت الأمكنة التي تخيّلتها حينما كانت على التربة اللبنانية القصيّة الآن الحاضرة أبدا ، والتي غُرِسَتْ فيها من طريق اللغة ، وذلك لمسائلة نفسها باستعمال العلامات ، والأيقونات الثقافية ، وطرائق الحياة ذاتها التي كانت ترمز لكل من التحرر الكامل والهزيمة التامة.  ولكن العلاقات ليست سهلة إطلاقا ، فلقد تشكَّلْ هذا الخليط " المغروس"  ، وكذلك ، الأعماق السحيقة لوجودها الخاص كما كتبت في نهاية الكتاب:

والديّ العزيزين ،  لماذا كذبتما عليّ ؟ قلتما لي أنَّ السماء زرقاء حينما كنّا نراقبها معاً ، في بيروت، والغروب لهب. لقد خدعتما جيلاً كاملاً ، ثم دمرتما إياها ، المدينة الآن مدمَّرة. حتى السماء ليست عالية ، كما علّمتماني، فهي واطئة ، واطئة جدا ، أوطأ من سقفي. أتساءل إن كان المطر سيهطل ، ويتلف كتبي كما أتلف عظامي. أتحسسها ، هذه الليلة ، أتحسس العظام التي وهبتماني . ما شاهد أحدٌ منكما باريس ولا انتوى زيارتها. لم يتوقف قطاركما في كير دو ليون . لقد اعتقدتما أن فرنسا دخيلة على نظام الأشياء التي اعتدتما عليه . قلتما أن باريس مكانٌ جهنميّْ . اطمئئّا : لم أخسرْ  روحي فيها. خسرتُ أوهامي . خسرتكما. " 2

لا تشير إيتيل ببساطة الى مظاهر مكانٍ أو حضارة أو شعب، بوصفها شاهداً بل مشاركاً . ومداها مذهل ٌ: فهي تتعقب خطى جون بارينز ، قائلةً " لها مرحبا مرةً واحدةً في اليوم في الأقل " و " حالمةً بها " ، ثمَّ تسجِّل البؤس ، والإلهامات ،  والهزائم الكولنيالية ذاتها لأسنان الدواليب التي تجعل دوران الماكينة الباريسية سلساً :

يعمل العديد من المهاجرين في المصانع خالقين مشكلة كبيرة : كيف نجعلهم يعملون دون أن يتنفسّوا هواءنا ، أو يقيموا في مدننا ويبصبصوا نحو زوجاتنا وأزواجنا ؟ لم تُحلّْ هذه المعادلة بعد. مع ذلك فهم مستمرون في أعمالهم الوضيعة ، فرحون بلا تكلف لأنهم يعتاشون منها. فهم يعشقون المطر والإسفلت والخبز الساخن وجبن الماعز والزيت الصناعي ، ودوام البقاليات الطويل. وينظرون الى العمل بوصفه طاقة وحياة. يعتقد الناس أنه من غير اللائق الابتسام عندما يكون السير مزدحماً. باريس هي الماكينة التي تتغذّى عليهم ثم تلفظهم. ماذا تقول لو أصبحت بصقة؟ لن تعرف أبدا. البصقة لا تفكّر: فهي تتبخر سريعا. من الآن فصاعدا لن أبصق بلا اكتراث.  بدافع احترامي للشارع. 3

 في كتابها المعنون "عن النساء والمدن (رسائل الى فوّاز) "، تعالج إيتيل ذات القضايا التي طرحت في باريس من خلال ما يشبه دليلا سياحيا ، في رسائل كُتبت الى فوّاز طرابلسي ، وهو كاتب لبناني يعيش في المنفى. سأل فواز طرابلسي إيتيل عدنان مساهمةً حول النسوية في عدد خاص بالمرأة العربية لمجلة يشرف على تحريرها. وبدلا من أن ترسل مقالة بدأت مراسلات معه وهذا الكتاب عبارة عن رسائل كتبت له خلال عامين ، وأُرسلت  من سكوبيلوس ، موريشيا، امستردام ، برلين ، روما ، وبيروت.  يحفر كتاب " عندما تتعرى  باريس "  في طبقات النفس المتراكمة أما ، كتاب عن النساء والمدن ، فيبدي اهتماما أكبر بطبيعة الجنس ذاته، بتعريفه وإعادة تعريفه ، خلال التأمّل الفلسفي ، وملاحظة العلاقات بين الفنانين  وموضوعاتهم الظاهرية ، وكذلك بين النساء والمدن، وبين الرجل والمرأة. وكما تكتب إيتيل : " لم يعد توضيح الفرق بين الأنثوي و الذكوري  سؤالا قائماً ولكن ما هو قائم الآن يتعلق بإعادة تعريف الأنواع البشرية ." 4

تشرع إيتيل في إعادة التعريف بإدراجها أمثلة عديدة  : حادث في مقاطعة الضوء الأحمر في برشلونة ، حكاية المرأة الوحيدة المضطربة في جزيرة سكوبيلوس اليونانية والتي سيقت الى مصحٍ عقليّ، موت صديقة حميمة في بيروت، والسؤال التالي الذي استحوذ عليها ،  " ما الذي يمكن لبيكاسو وسيزان أن يكشفاه عن المرأة وكيف يتم النظر إليها " 5 .  تعتبر المقاطع المكتوبة حول" هذين اللاسويين المكرَّسين" 6 ، بالإضافة الى بعض الكتابات الكاشفة حول سيزان و بيكاسو، من اكثر المقاطع إذهالا في الكتاب. تعلِّقُ إيتيل بعد زيارة الأماكن التي قضى فيها بيكاسو العشرين سنة الأخيرة في حياته ، قائلة:

حبس بيكاسو نفسه في 30,000 اكر من أرض الجبل، من جبل سيزان، ولكن على الجانب الأخر المقابل الذي رسمه سيزان. استلقى مقابل هذا الجبل وكأنه إزاء سيزان نفسه ، كما لو أنه إزاء جدار، حيث يذكّرنا القصر الريفي الضخم والسور بالظلال الروحية المتوترة للقصور الفخمة في برشلونة ، وبورثة معارك التعصب ، وبالصليبيين ، وبمحاكم التفتيش. في قعر وادٍ فاتن ، على جبل منافسه ، مرَّ الأستاذ الأندلسي العجوز من كتالونيا ، واشترى لنفسه مملكة خاوية اناسها أفكاره و لوحاته. هناك حيث أقفل على نفسه مع لغز المرأة ...بيكاسو صار يختلس النظر ، فأصبح شاهدا ، وكنتيجة امرأة. لقد صوّر جنسا نية أولا نية ، بلا تهذيب، بلا زخرف ، لا هي بالوحشية ولا هي بالملائكية ... في منفاه  ماثل مع النساء ، أولئك الذين سُلخو من السلطة، مكان الأصل. 7

تنسج في كل الرسائل ، كما في كتاباتها الأُخرى ، وعيا بالحرب بوصفها حضورا،ومرافقاً ، وكابوسا، ومحكاً ، ونقطة ارتكاز: " أيقظ نسيم أيلول اللطيف ذكريات قديمة. ولكن أية ذكريات؟ الصخور البحرية الملاصقة لمقهى أجرام في بيروت( مضى زمن على تدميره) ، رائحة أشجار البرتقال التي أُحرقت بعد خمسين عاما بقنابل النابالم. ذاكرتنا منسوجة بالحرب." 8. يستحوذ الاندلاع القريب والحتمي لحرب الخليج على هذه الرسائل ، كما تستحوذ عليها ، الأندلس والإبادة الثقافية للعرب في إسبانيا، متبوعة بمجازر الهنود الحمر في العالم الجديد. تكتب إيتيل نادبة، أن الأندلس هي  " الخسارة الأولى، موت الأم ، والبساتين التي  يمثل فيها لوركا الشجرة الأخيرة. " 9 . الحساسية الغنائية الفاتنة ( نقطة التقاء بين متصوفي القرون الوسطى مثل رابعة وهيلدغارد البنيان، والوضوح الأسلوبي الأمريكي كما تمثله أملي دكنسن ولورن ند يكر) ، والتي تظهر في The Spring Flower Own & The Manifestations of the Voyage ( Post Apollo, 1990),  غارسة ببذاخة روح  نثر إيتيل المثير للذكريات . في هذا العمل كما في عملين آخرين اساسيين ،  Sitt Marie Rose (Post Apollo  Press 1982 ) و (The Arab Apocalypse( Post Apollo press 1989) ، تدمج كلا من الرؤيوي والزمني ، رائية ما سوف يحدث بواسطة كشف اللثام عن طرق مقبولة في استقبال وتسجيل الماضي. فلقد وصفت إيتيل عدنان كما وصفَ كاتب أسباني آخر، خوان غويتسولو ، إبادة ذاكرة التعددية الثقافية التي حدثت في قلب أوروبا ، حين أباد الجنرالات الأصوليين ليس الناس فحسب بل التراث الثقافي والروحي والمادي للبوسنة ، سنفعل حسنا إذ ندرك إلحاح ايتيل على التذكر ، إلحاحها على أن الاختلاف ذاكرة ، وهي حقيقة تؤازر بقاء الأنواع :

 

كثّفت المليشيا المسيحية في بيروت الشرقية هجماتها ، كما لو أنها تريد إبادة المركز الإسلامي الرئيسي في المدينة والذي يعني الجمال ـ والذاكرة. لقد تصرّفوا كما لو أنّهم يريدون تدمير التأريخ لكي يعززوا خصوصيتهم. ولكن مثلهم مثل رجل قتل المرأة التي أحبّها ، شرّع اللبنانيين  بأن يكونوا العشاق المجانين لبيروت القديمة. 10

لا تفقد إيتيل عدنان تبصرها للدوافع الأولانية والمتناقضة ، التي تحرك الفعل الإنساني ، وهي تعمل كدليل في عالم عقد العزم على إلغاء حتى آثار كينونات غير معترف بها ، عالم كما وصفه صديق لها في بيروت حيث ليس لـ " ذكرياتنا أي مستقبل. " 11  

 

هوامش

1-     إيتيل عدنان ، عندما تتعرى باريس ( Sausalito : Post-Apollo press, 1993)  ص 7-8 .

2-     نفسه ص 101 .

3-     نفسه ص 59.

4-      )إيتيل عدنان ، عن النساء والمدن ( رسائل الى فوّاز) Sausalito: Post-Apollo Press, 1993) ص 37 . نسابا.

5-     نفسه ص 22 .

6-     نفسه ص 23 .

7-     نفسه الصفحات 24 ، 26-27 .

8-     نفسه ص 42.

9-     نفسه ص 56 .

10-نفسه ص 82.

11-نفسه ص 112.

 هامش المترجم :

      * المقصود بالبيئة هنا " لبنان "

المقال المترجم هو فصل من كتاب " ذكريات مستقبلنا " لعميل القلعي ، الصادر في خريف 1999 عن دار نشر (City Lights Books) . وعميل شاعر وناقد ومترجم وأستاذ جامعي .

   عن الإنجليزية بإذن من المؤلف : علي مزهر

عن الكتابة