عبد الأمير جرص: ذاكرة شخصية

 

 

حين أرسل لي الشاعر جمال الحلاّق، كلمته القصيرة في رثاء عبد الأمير جرص، لم أصدّق الخبر. لم أكن أريد تصديقه، فلم يمنحني الموت وقتاً، منذ انقطاعي عن عبد الأمير، وانقطاعه عنّي لسبب أراه الآن تافهاً، لأن أربأ الشرخ الذي حدث في علاقة خضعت لأقدار جغرافية غريبة. علاقة موسومة بالرحيل المستمر والانتقال المستمر. كأّن الموت يريد أن يجرّني إلى تلك السنوات المرّة، سنوات الحرب والحصار والحلم في الخروج من العراق نحو آفاق مجهولة، ويرميني للتحديق في ذكريات أجتهدُ كي أنساها. لم يمهل الموت عبد الأمير جرص أن يعيش حياته إلى أقصاها، حياة طفل كبير، تجلجل ضحكته أنّى حلّ، مشيعاً البهجة بسخرية وخبث طفولي، حياة صعلكة ناقصة وعبث أقرب  إلى الواقعية السحرية. وسوف يتذكرّه أصدقاؤه، سوف يتذكّرون ضحكته المجلجلة وقصيدته النونية الرائعة، وآلام ظهره المزمنة، ومجموعتين شعريتين وقصائد بحاجة إلى من يجمعها. ولا أدري من أين أبدأ في وصف علاقتي بعبد الأمير التي تعود بدايتها إلى أكثر من عشر سنوات. صاحب القصيدة القصيرة الصادمة كان من الممكن أن يكون شاعراً كلاسيكياً من الطراز الأوّل وامتدادا لسلسلة الشعر العراقي الذهبية. ولكنه رأى أن النص القصير الذي يبتعد عن الافتعال اللغوي ويقترب بصراحة قاسية من التجربة عبر جمل برقية قصيرة، هو الأقرب إليه، الأقرب إلى روحه الملولة، وشخصيته القلقة، ومزاجه الحاد.

أرى سيلاً من الصور لعبد الأمير، وهو يقرأ قصيدة، لمجموعة صغيرة في منتدى الأدباء، وكانت المرّة الأولى والأخيرة التي أزور فيها المنتدى برفقة سعيد عبد الهادي وأحمد حسين سلمان وغيره من الأصدقاء وكنتُ أسمعُ القصيدة النونية الطويلة للمرة الأولى، وهي قصيدة جريئة، خصوصاً، بعد أن كانت الحرب- التي قال فيها سعيد عبد الهادي أن:" صدّام حارب فيها أمريكا وانتصر على الشعب العراقي".-  قد رمت ببسطالها قريباً والجو كله أقرب إلى الكهرباء التي تحرق من يمسّها. كنتُ قد رأيت ُ للمرة الأولى حينها الشاعر رعد بندر، و كان شديد التأنّق، حتى أنني حسبته تاجراً من تجّار الحرب الحديثي النعمة، من الذين يعملون في سوق جميلة أو الشورجة، وكان غندوراً متعافياً بين جوقة من الصعاليك.

 أرى صوراً غائمة من ذاكرة لا تسعفني كثيراً عن شارع المتنبي، وصوراً أخرى في مدينة الشعب في بغداد، حيث كنّا نلتقي وإبراهيم رجب وأحمد حسين سلمان وحسين صالح وبنيان حسين وسعيد عبد الهادي و أحمد هاشم الذي كان يردد جوابه الشهير إذا سألته عن أحواله:" مازلت أنتظر زوال النظام الديكتاتوري وإحلال الديمقراطية في العراق". كنّا نجلس في مقهى منعزل، أو نمشي كثيراً في تلك الأيام، وحديثنا هو هموم الشعر والخبز وأحلام بالخروج من السجن الكبير و بالسفر إلى الحرية. وكنت أقرأ له ويقرأ لي، وأقول له أن قصيدتك أحياناً تشبه نكتة، لا تستطيع سردها ثانية. ولكنني أحبُّ ما تكتب. وحين زار موقعي، قال لي آخر مرة في اتصال هاتفي، بأنني أشتغل على قصيدتي ولست أرمي الكلام في الظلام.  كان يكفيني هذا الذي لا يشبه المديح الذي يحبه الشعراء، من شاعر لأطمئن على ما أكتب، مع أن ما قاله لا يعني أنني أكتب نصاً جيداً. لم يمهل الموت عبد الأمير جرص، فلقد كانت نصوصه مسكونة بالحياة وأتمنى أن أستعيد مجموعته التي أهداها لي، أو أقرأ ما كتب مؤخراً، لأحصي كم مرة ذكر "الحياة" في نصوصه لأتأكد من أنه كان يملك هذا الحس الفطري بأنه سيموت سريعاً، سيغادرنا سريعاً هذه المرة ولن يعود لأتمكن من شتمه.

 كنتُ متلهفاً لرؤية عبد الأمير جرص حين عاد من بيروت، وحين اجتمعنا في شقة إبراهيم رجب،  في حي الجزائر في بغداد. بادره أحمد حسين سلمان بسؤاله فيما إذا كان قد زار فيروز، وحين أخبره بعدم زيارته لها، اعتبر أحمد ذلك نوعاً من الكسل واللامبالاة وانعدام البصيرة بل ربما نوعاً من الكفر، كأن تذهب إلى النجف ولا تزور الإمام علي مثلاً. بينما كنتُ متلهفاً لكي أقول له: لماذا عدت يا كلب؟ لأنني كنت أريد الخروج، وأعلم أن الوصول إلى بيروت و غيرها ليس سهلاً، فالحصار ليس في العراق فقط الحصار هو كيفما وليّت وجهك، فكيف لعبد الأمير أن يفوّت هذه الفرصة، كيف له بعد أن خرج من الجحيم أن يعود إليه. عانقته فرحاً به، ولكنني لم اخف غضبي منه. قائلاً له لماذا عدّت ياكلب. تحدّث لي طويلاً عن حياته القصيرة في بيروت، وكيف عمل مصححاً لغوياً في جريدة.  حدّثني عن البحر الذي لم أره، والساحل وفتيات لبنان الجميلات مسلماً نفسي للحلم وكنتُ كلما صحوتُ منه زعلتُ منه أكثر. ذكر أنه التقى الشاعر الكبير سعدي يوسف كان قد كتب له شيئاً عن كتابه لم أعد أذكره الآن ولكنه كان سعيداً جداً بما كتبه سعدي يوسف حينها.

حين انتقلت للعيش في البنوك، كان ينضم إلينا في تلك الأيّام صديق عمره اللدود الفنّان التشكيلي ياسين العطية. يتحدّث عبد الأمير كثيراً، ويضحك كثيراً، كأنه كان يعلم أنه سيموت سريعاً. لا أدري إذا كان قد ضحك كل الضحك الذي كان مخصصاً له أم لا. مرّة زارني في البنوك، وحدث أن سُرقت مبردة الهواء من البيت في اليوم التالي. عندما رأيته بعدها، قلت له هل تعمل مع العصابة، فقال لي: أية عصابة؟ العصابة التي سرقت المبرّدة، قلتُ. فضحك كثيراً، وحين اتصلت به قبل عامين، في كندا، ذكّرني بهذا وضحكنا كثيراً على عادتنا. كان عبد الأمير طفلاً مشاكساً طائشاً أحياناً، ولا أتذكّر فيما إذا كان جرص قد أكمل دراسة الماجستير أم لا؟ كان ياسين العطيّة غاضباً منه في تلك الفترة، لأن عبد الأمير الذي كان غارقاً في علاقة حب مع طالبة تدرس في نفس الكليّة التي يدرس فيها جرص، قد فاتحها للعمل في منظمة سريّة، وأكاد أضيف سوريالية، انشأها شخصٌ غريب إبّان الحرب في 1991، ثم اختفى، ولا أعرف ماذا كان عمل هذه المنظمة التي كانت يسارية، فلا تُذكر سوى همساً، ولقد كنتُ تخلّفتُ عن اجتماعها التأسيسي في رأس السنة المذكورة الذي جمع ما أعرفه من أصدقاء في شقة إبراهيم رجب الذي كان يدرس الفلسفة في جامعة بغداد وقتها، ولم أر مؤسسها صاحب الاسم المستعار، ولم يعرف أحدٌ إلى أين مضى بتلك الأسماء التي كانت بحوزته. وإنني أضحك على سذاجة سياسية، كنا نتمتع بها، إزاء بطش وقسوة لا ترحم. وهو ما أغضب ياسين العطيّة من عبد الأمير في ذلك المساء. نعم فلقد كان طائشاً ومتهوراً. لم يكن النظام يخاف الكلام في تلك الفترة، بل يخاف من الرصاص، وانتفاضة آذار الشعبانية العظيمة، كانت الخطر الأكبر الذي واجهه وقمعه بكل قسوة، وبدأت تظهر الآن المقابر الجماعية التي تضم شهداء العراق من الذين واجهوا النظام وأسقطوه في أربع عشرة محافظة عراقية ، ولكن خذلتهم أمريكا حين أسلمتهم لبطشه، مثلما خذلهم الأكراد، حين اكتفوا بكردستان وهم الذين ما كان لهم أن يتمتعوا بعالم بلا صدّام طيلة السنوات الفائتة لولا انتفاضة الجنوب.

حين قرأت رسالة جمال الحلاّق، لم أصدّق الخبر، فلقد حمل لي الإيميل أخباراً، لا أريد تصديقها، فالموت البعيد هو موتٌ كاذبٌ . فما يحيا فينا، ما هو غير خاضع لجغرافيتنا، هو ما تحمله ذاكرتنا، وقطعاً ما يحمله الشعر من نفـَسِ شاعر، كان يأبى الانضمام تحت راية واحدة مع أي جيل، وإذ تسود الفوضى حياتنا الثقافية الآن، سيأتي زمن، يُعاد فيه الاعتبار، لشاعر قدّر له أن يعيش مثل الكثير من العراقيين، في جغرافيا قاسية لا تحتمل الاختلاف، ويموت في إحدى المدن النائية، زاهداً بكل شيء. ماراً ببيروت وليبيا ( لا أتذكّر جيداً إذا كان قد درّس عبد الأمير في ليبيا أو في الديوانية، لا يبدو الفرق مهماً الآن) وكندا، وكأنه يتبع مساراً، مليئاً بالقلق، والوحدة والعزلة، والعلاقات الغرامية المحكومة بالفشل. عاش عبد الأمير جرص حياة قصيرة ناقصة، ولكن سيبقى رنينها مجلجلاً كضحكته، وستظلّ جذوتها  مشتعلة في شعره إلى الأبد.

 تذكّرتُ حين قرأت رسالة الحلاّق بل داهمتني بقوة صورة باب بيت عبد الأمير الحديدي في حي البنوك،  وكيف سيخرجُ حين أطرقه، في مساء صيف تتخلله نسمة باردة مشبعة برائحة الباذنجان والطماطة المقليّة، وسيأتي بضحكته المجلجلة القوية، وسيجارته، وحين يبدي تذمرّه من أي شيء، سأقول له لماذا تركتَ بيروت وعدت يا .... وبعد أن يضحك ضحكته المجلجلة سأنصتُ ليقرأ لي آخر ما كتب.     

أيّار- 20-2003

 

 

   عن الكتابة