بقايا مجداف... مجموعة شعرية جديدة للشاعر كريم جواد

 

تبتهج لمرآى الكتاب، تزن ثقله أو خفّته، ثم تتصفحه ببطء. ترى فيه ملجأً أو ملاذاً يقيك من أنباء الحروب وصور القتل ومنابر الدجل وأحبار الجدل. تبتهج، ولكنك تتحسس ما في يدك، فلا تجد إلاّ بقايا مجداف، فلا قارب ولا نهر ولا شاطيء على الضفة الأخرى، بل ما من ضفة أخرى. تبتهج لأنك في هذا الصيف الحار، تستطيع أن تحلم بالثلج، وفي هذا الزمن الأسود، باللون الأبيض، سواء أكان شاشةً أو ورقةً أو كفناً.

أنت وحدك وكتاب يخرج من كهف أسود، ليس سوى صندوق بريدك، أو ربما استعارة أسسّها الماضي، نبتت هكذا مثل شجرة وحيدة. أنت وحدك، من يُمنح هدية مثل هذه، وأنت وحدك من يَمنح هذه الهدية، يداً ممدودةً، ولكن العناق التي ترتجيه لم يكن سوى نزوة، أو هوى عابرٍ، بعدها، تعيدها إلى مصيرها. ولكن ما هو هذا المصير؟ ليس الانفكاك بهذه البساطة، فأنت بعد القراءة لست كما كنت قبلها، فالمصير أزاح إلى الأبد مجهولية المصدر الذي جاءت منه، وليس هذا المصير سوى أرشيف الكتابة التي لا تنتهي.

 تبتهج لأن هذا هو حدثٌ حقيقيٌ لا تسمعه في نشرة أخبار، ولا يأخذ من مفكّرتك سطراً، إلاً بعد أن تقتل كسلك، وتستعد للعب ربما كنت نسيته، هو لعب المخيّلة. لكن عدتك هي بقايا مجداف، فما الذي تأمله من رحلة كهذه محكوم عليها باللاوصول؟ لكنك لا تأبه، ليس لأنك تشتهي الضياع وتريد أن تتيه  في الهلوسة والأخيلة مثل حشّاش ولكن لأنك محكوم بالصور، لأنك ترى وتشمّ وتلمس . ولأنك محاصر بالصور، تستسلم لهذا الحصار مثل استسلامك لفيلم يخرجه مايكلأنجيلو أنتونيوني.

 

بقايا مجداف ، صمم الغلاف طالب الداود

واللوحة للفنّان فاضل نعمة

ليس الوصول هو الهدف، إنما الهدف هو الفرجة، فليس عبثاً أن يخرج هذا الكتاب – الهدية من كهف أسود، هو ربما صندوق بريدك أو صالة سينما لا يكون فيها المتفرج واحداً ووحيداً.  فأن ترى ما يتم نبشه هنا كما يراد لك أن تراه، لا أن تعيد من عظامه وفتات لحمه بناء جسد الواقعة المهشّمة. فعالم كهذا العالم الذي يعيدك إلى الحلم، إلى نسيان الواقعة، في سبيل رؤيتها في سياق حلمي، هو الذي يعيد صياغة علاقتك بأشيائه الحميمة، وبتفاصيله المحبّبة، وبمشاهده الجارحة، عبر لغة اقتصادية ولكّنها ليست شحيحة. لغة بها من ثراء يفتقده كثير من الشعر هذه الأيّام، شعر لا يخرج من كهوف سوداء، و لا تختلط فيه الأزمنة، ولا يسكنه الحلم. هذه هي الهدية التي يحملها حدث، هو في غاية الأهمية: صدور كتاب شعري، لا أحد يعلن عنه في قناة فضائية، ولا يعلّق عليه كاتب مثلما يعلّق على أشعار كتبها وزير دفاع، ولا يحظى بجدل تسوّد له صفحات. بل يكتفي بأن يكون رفيقاً أليفاً وحميماً في خلوة ابتعادك عن كل شيء، فتجد نفسك في كل شيء من جديد، في لعب الخيال باللغة، أو لعب اللغة مع ذاتها، في ولع اللغة بالتاريخ أو الذاكرة، واختلاط الشجرة بالمرأة أو أغصان الأولى بذراعي الثانية، فلاّ تفرّق بين الغصن والذراع، ولا تشمّ بعد أن تقلب صفحاته سوى رائحة السندلوس، ولا ترى سوى  جسد سنومان ولا تسمع غير صيحات الهالوين وضجيج مترو الأنفاق. بل لا ترى إلى آلة التصوير التي تحملها أحياناً وتمضي،  إلاً كما رأيت في هذه الصالة التي اسمها الكتاب:  رأسك وقد تدلّى على صدرك بشريط أحمر، وهل من فرق بين رأس بعينين و آلة تصوير بعين واحدة؟ ولكنك مثلما تغيّرت بعد الكتاب تتغيّر بشكل أكثر مأساوية حين يكون دليلك شاهداً على الدم والقتل، وهارباً من مقبرة جماعية، أو متفرّجاً على مدفن مائي، وعالمك يمتليء بالكوابيس والأشباح. وتعلم أنك تقيمُ في هذه الأرض سائحاً، ستمضي بعدها إلى لا مكان.

إن الكتابة هنا وإن بدا عليها شيءٌ من الحياديّة فهي شخصية (يكفي أن نرى سريعاً إلى النصوص و"المجاورات" النصّية paratexts كما يسمّيها أمبرتو أكو ليتأكد لنا ذلك). وهي وإن تلبّست بالسرد فهي مرئية ولا يمكنك ألاّ ترى إلاّ إذا تقصّدت العمى، وتهندمت له، وأسلمت نفسك لظلام بلا صور. ولكن ليس كل صالة من صالات السينما تقدّم البهجة حتى لو كانت " سينما باراديسو"، بل منها من يريك الألم التي تحاول نسيانه، فيحاصرك ككابوس لا تستطيع الهروب منه إلاً بتحديقك فيه، ليس استسلاماً للجرح، ولاخضوعاً لمازوشيّة ما، ولكن أملاً باستعادة التوازن، باستعادة بقايا المجداف، لاستكمال الرحلة. ولا يتم هذا إلاّ بمشقة الكتابة وبمشقة محوها، بأن تسكنك وتسكنها فلا تعرف من أنت ومن هي. فالقصيدة طازجة، متحررة من علامات الوقف، منفلتة، بل هي مشهد، ولكنها ليست مشهداً بسيطاً، بل مركباً، وأنت تتلصص على هذا المشهد، ولا يهم ما يحققه التلصص من لذّة أو ما يسببه من ألم. إنك هنا، والمشهد أمامك، ولا عليك سوى أن تتفرج. فلا تغدو الكتابة بهذا الصفاء ولا بهذا التشوش إلاّ حين تكون فعل وشاية مثلما القراءة التي تنتج عنها هي فعل تلصص. فالعالم مثل كتاب، مثل سينما، والفرجة بهجة.

 

ملاحظة: صدر كتاب بقايا مجداف للشاعر كريم جواد عن دار نينوى في دمشق . وقد صدرت مجموعته الأولى نقود الحياة عن دار الجندي في دمشق أيضاً عام 1998 وهذه الكلمة تحتفي بالكتاب بوصفه علامة على إمكانية مستمرة لأوبة الشعر إلى صوابه مع الإيمان بأن هذا الصواب ليس مطلقاً.

علي مزهر - آب - 1- 2003

 

 

   عن الكتابة