التفلسف بمطرقة

 

 

ترددت طويلاً في كتابة هذه الكلمات، ليس لأنني لا أمتلك صورة واضحة لما حدث فقط، بل لأن الذي حدث يثير الألم الشديد، بل لقد اصبتُ بالذهول الذي ما فارقني منذ ذلك الحين . ولكن الكتابة هي في النهاية مواجهة الألم، مواجهة القسوة وإعادة انتاجهما. ولكنني قررت أن أكتب وأنا أنظر في صورة لصموئيل نوح كريمر وعدد كبير من خيرة العقول البشرية من أجانب وعراقيين عملوا على نفض التراب عن آثار العراق وفكّ أسرارها. لم أفلح تماماً في أن أكتب مرةً منطلقاً من الفرح مثلما قرأتُ لنيتشة فيما مضى. ربما لم يزل في صوتي لوناً  من النبرة الحزينة التي تسم التأريخ الحزين للعراق بمحنه الكبيرة.

 

 أقول ترددت كثيراً لأنني لم أرد أن أكرر ما كنت قد كتبته سابقاً عن أهداف الحملة الأمريكية ضد العراق ، ولا أن أكرر النوايا المخيفة المغلفة بالعبارات الطيبة للإدارة الأمريكية فيما بدا لو أنه حقّاً "تحريراً " للعراق بينما تنسحب الأسباب المعلنة الأخرى إلى الخلف في محاولة لإيجاد سيناريو مقنع وإخراجها بطريقة هوليوودية. فلم يكن مقنعاً لي، وأنا لست معجباً بالمارينز على أية حال، أن يتفلسف المحافظون الجدد بطريقة ثورية مدمّرة، أي بالدبابة والصاروخ، وأن يتركوا المطرقة لفلاسفة عاديين كنيتشة (تمثال صدام في ساحة الفردوس مثلاً).  لست معجباً بوزير الدفاع الأمريكي، وكنت آمل لو يتركنا ويرحل إلى ألمانيا حيث أمه العجوز تعيش وحيدة. ولكنه لن يتركنا إلى أن يصاب بعضنا بالخرس أو ربما بالسكتة القلبية أو الدماغية أو بشظايا صاروخ في منتهى الدقّة. أقول لستُ معجباً بهذا المتعجرف، ولا بجوابه الذي نطق به، حين سأل عن خمول وعدم تحرك القوات الأمريكية لحماية تأريخ العراق المتمثل بمتاحفه ومواقعه الأثرية. قال أن هذا "الشيء" يحدث، والحرية لا قيود عليها، الحرية فعل غير منظم. و الرجل لا يتكلم عن عدم معرفة، فانقطاع التيار الكهربائي لنصف ساعة في نيويورك، سبب سرقات تقدّر بمئات الملايين من الدولارات، وهذا "الشيء" حدث في أرض الحرية والقانون والديمقراطية فكيف ببلد مكبوت وشعب مقموع؟

 

لا أعلم حقّاً ما الذي جرى هناك، وكيف أن آثار العراق صارت تراباً ونهباً، ولكن الشيء الوحيد المؤكد أن هذا الرجل لا يكنّ أي احترام لتأريخ البلد الذي تطأ قواته أراضيه المقدّسة. يقال أن عصابات منظمة وراء السرقة كانت البادئة وبعدها تبعها حثالة من اللصوص والمتخلفين . و الأنكى من هذا كلّه... أن من الكتّاب العراقيين من لم يذكر  هذه الكارثة ولم يحمّل مسؤوليتها القوات الأمريكية بل راح يبرر لنا السلب والنهب باعتباره جزءاً من ثقافة العراق التي أشاعها صدّام، ولقد شاعت وراجت العصابات المسلّحة وعصابات تهريب الآثار في أواخر عهده المقبور. لم يشأ أحدٌ منهم إزعاج أسياده بأن يرفع إصبعه ولو لذرّ الرماد في عيوني وعيون أمثالي.  قلّة فقط من أدان أو طالب بتدخل القوات الأمريكية.  ومن خلال متابعتي لتقارير الصحف البريطانية، لم تحرّك القوات الأمريكية جندياً واحداً بعد طلب الصحفي روبرت فسك وغيره منها التدخل لحماية ما تبقى من آثار العراق ونفائس تأريخه من ألواح وأحجار و مخطوطات. ولم أكن أتوقّع من رمسفيلد ولا من أذنابه العراقيين أي جواب ينم عن حرص البنتاغون على شيء اسمه تأريخ. المحو هو ما يحسنه البنتاغون، ثم بعدها تجيء الشركات الكبرى لتكتب على صفحة العراق البيضاء، عناصر تكوين العقل العراقي الوديع المستقبلي على إيقاع ديمقراطية المارينز.

 

 الفوضى منطقية بعد انهيار السلطة المركزية، ولكن تطويق وزارة النفط وباقي المنشآت النفطية والمالية وحمايتها لا يشكّل عند محبي عضلات المارينز علامة على أن جنرالات الإدارة الأمريكية لا يرون في العراق سوى بحيرة من نفط، ولا يختلفون بذلك عن "محبوب الشعب" حين ضرب برجله الأرض وقال أننا نجلس على بحر من ذهب. لا يرون في أن سقوط صدّام هو نتيجة منطقية لاختلال في توازن القوى والتي نتيجتها الحتمية هو الاحتلال . سيقولون أنك مازلت تتحدث بعقلية الذي يكره الإمبريالية والصهيونية.  مثلما تسمع من يردد أن أمريكا تغيّرت ولكن لا يقول لك كيف تغيّرت أمريكا ولصالح من؟

 

ولكنني فطنت بعد حين أن رمسفيلد يتحدث عن "آيراك" وأنا أتحدث عن العراق. بدا لي أن الرجل يتحدث عن بلد آخر، لا أعرفه. ربما يبرر لي هذا ضرواة الدفاع الذي يقوم به بعض " الآيراكيين" عن الإدارة الأمريكية التي لا يأتيها الباطل من أمام ولا من وراء. وهؤلاء " الآيراكيون " هم أكثر أمريكية من المستشارين الثقافيين للرئيس الأمريكي الذين قدّما استقالتهما بعد فشل القوات الأمريكية في حماية ثروة العراق الحقيقية. بل هم أكثر أمريكية من مئات المثقفين الأمريكيين الذي كتبوا في الأسبوع الأخير عن الشعور العارم بالأسف لعدم قدرة حكومتهم على حماية تراث يعتبرونه جزء من تراث البشرية فيما استطاعت قواتهم أن تحمي النفط.فما الذي يبقى لنا بعد أن يشفطوا النفط ويرحلوا عن سمائنا غير ملحمة جلجامش وأشعار انخيدوانا  وشريعة لبت عشتار؟ وهل ستبقى لنا هذه فعلاً؟ بين بكاء موظفي المتحف وحرقتهم وإزدراء رمسفيلد ولا مبالاته لكل ما هو حضاري وعراقي تكمن حقيقة الصراع المقبل في العراق.

 20 -نيسان - 2003

   عن الكتابة