رعد عبد القادر: الطريق إلى الظلام

" لم يغادر رعد عبد القادر الوطن  بداً ولن يغادره "

حمزة الحسن

1

قبل أسبوع كنت قد قرأت مقالة للروائي حمزة الحسن عن الشاعر رعد عبد القادر ( 1953- 2003) في موقع الحوار المتمدن، ولم تستوقفني هذه العبارة طويلاً، لأن من العراقيين من لم يخرج ولن يخرج من العراق، ولكني لم أفكّر بالمعنى الآخر، غير الذي يوحي به معنى الإقامة والسفر والهجرة والنفي، فلا مناسبة له. لم يخرج محمد خضير من العراق ولكن إبداعه معروف على مستوى الوطن العربي كله. كأن رعد عبد القادر قد حسم أمر السفر فيقول في قصيدته، أرض السواد: نسابا

"سفر بعيد

سفر إلى أقاصي السفر

خذ حقيبة واذهب

أغلق باب بيتك إلى الأبد

لا تقل وداعاً

لا توجد إيثاكا جديدة في أي مكان من العالم

يوجد خراب أينما حللت. "

ولكني حين وافاني خبر وفاته ( من طريق الصديق حكمت الحاج )، عدت إلى المقال، بعد أن تحسست قلبي، وسألت بأي بصيرة كتب حمزة الحسن هذه العبارة بل لماذا اختاره أصلاً قبل شهر من وفاته أو أختار مجموعته الشعرية دع البلبل يتعجب  التي صدرت في 1996مادة لإحدى مقالاته؟ ربما أجد الجواب، في الشمعة التي أوقدها الحسن في رماد النرويج ولكني لن أجد العزاء. فاتني أن الموت سفرٌ أيضاً. بل سفرٌ بعيد بلا إياب.  عدت إلى ذاكرتي المعطوبة، إلى تلك الأيام التي ارتبطت بها الكوارث مع الشعر، حين كان الشعر بالنسبة لي و ربما بالنسبة للكثيرين نوعاً من الخلاص، نوعاً من التميمة التي نتقي بها الكوارث، ونلوذ بها لحفظ النوع الإنساني من التلف والزوال، وأجزم أن رعد عبد القادر كان من أولئك الشعراء، الذين حفروا بصمت وهدوء حضورهم في ذاكرتي، هذا الهدوء التي كانت تحاصره طبول الحرب والأيديولوجيا على حد سواء. حاضراً بقوة الغياب، ومضيئاً بقوة العتمة، فالشعر حضور أبدي، وهو لم يكن يتخذ منه لعبة لغوية، فعبارته مشرقة قوية، ولكنها ليست مباشرة، تضرب بعمق جذورها تربة الشعر السومري الذي مازال حياً في ذاكرة الشعر العراقي. فكان لي ميلُ لكتابته لا يجاريه سوى ميلي لطالب عبد العزيز وسواه ، أو قل قرابة كتابية إذا صح التعبير كنت قد حسمت أمري حولها منذ منتصف الثمانينيات. نسابا

 

رعد عبد القادر ( تصوير جمال الهاشمي )نسابا 

 

2

في غمرة حزني تذكرت أنني قرأت نصوصاً لعبد القادر في الأسبوع الأدبي السورية منذ فترة وجيزة، لم أعرف ماذا الذي كنت أبحث عنه بالضبط، كأنني كنت أريد أن أعيد صلة انقطعت، أن أستعيد شيئاً فقدته. أن أربأ بالكلام وجوداً متصدعاً هشاً آيلاً للزوال في أية لحظة. فاستسلمت تماماً للشعور الذي وهبتني إياه هذه القصيدة، شعرت بالطمأنينة ربما لأن رعد كان قد شعر بدنو هذه السفرة الأخيرة إلى الظلام. لم يكن خائفاً، ولكنه ربما كان يتحسس قلبه حين انكسرت الكأس وقادته إلى الظلام وهو قد علم أن الوردة لن تستطيع إنقاذه من الظلام.نسابا

)كأس المعري)‏

أنا وأنتَ نتوكأ على وردةٍ‏

ليت الوردةَ تنقذنا من الظلام‏

لقد شربنا كثيراً،‏

شربنا من الكأس‏

تلك التي لمعتْ شظاياها في عيوننا..‏

أينا لم تسلمه الطريقُ إلى الكأس التي انكسرتْ؟‏

ليت الكأسَ لم تنكسر‏

إنما الكأسُ انكسرتْ‏

وأسلمتنا الطريقُ إلى الظَّلام..‏

ليت الوردةَ‏

ليت الوردةَ أنقذتنا من الظلام!‏

 

 لم يذهب الشاعر إلى ظلامه تماماً، ولكنه مثل كل الشعراء الشعراء سيظل حاضراً في الشعر مادام الشعر. وعذرا عن ركاكة لم أستطع التغلب عليها أمام بلاغة الموت.نسابا

 

 

   عن الكتابة